مدونات TR

قمة أنقرة الثلاثية والدور الدولي المطلوب

قمة أنقرة الثلاثية والدور الدولي المطلوب

تلجأ الجهات التي تصوغ البيانات الختامية لقمم الرؤساء أو التكتلات أو غيرها إلى استخدام العبارات الفضفاضة التي لا تترك خلفها تحديدات زمانية أو مكانية أو تفسيرات محددة، والسبب في ذلك هو الهوّة الفاصلة بين مواقف أطراف هذه البيانات، فالعبارات الفضفاضة تُبقي باب الاجتهاد والتفسير والقراءة المتعددة مفتوحا إلى درجة واسعة.

وعلى هذا الأساس يمكن قراءة بيان قمّة أنقرة الثلاثية واكتشاف التقاطعات والتفارقات فيه وفق هذا المنظور سيما وأنّ كلمات الرؤساء الثلاثة التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين والإيراني حسن روحاني ركّزت على اهتمامات كلّ واحد منهم على أولويات بلاده حيال الموقف من الصراع في سوريا.

جاء في بيان القمّة الثلاثية "ندعو المجتمع الدولي لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية"، هذه العبارة تدفع المراقب المتتبع للقمّة وما سبقها من مثيلاتها من القمم إلى فهم أنّ الأطراف الثلاثة الضامنة لاتفاقات خفض التصعيد والتوتر في سوريا لا يملكون بمفردهم فرض الحل السياسي أو إيجاده، ولهذا هم يتوجهون إلى المجتمع الدولي (الغرب بقيادة الولايات المتحدة مع حلفائها)، طالبين منهم إيجاد حل سياسي للأزمة السورية.

وهذا تعبير عن واقع ملموس على الأرض، فالولايات المتحدة الأمريكية بغض النظر عن كيفية نظر الدول الضامنة لدورها في سوريا تمثّل قوّة عسكرية وسياسية على الأرض السورية وتقود تحالفاً يستطيع قلب طاولة أيّ مسار لحلٍ سياسي لا يلحظ مصالح الغرب السياسية والأمنية والاقتصادية في سوريا والمنطقة.

إنّ تلمس هذه المقاربة يقود بالضرورة إلى الاعتراف بوجود مسارين مختلفين للحل في سوريا دولياً، المسار الأول هو ما تضمنه بيان قمة أنقرة الثلاثية والذي تحدث في عموميات عن دعم مسار الحل السياسي الذي يجمع السوريين، وتحدث عن لجنة سيتمّ تشكيلها تناقش مستقبل سوريا السياسي مع بقاء التشاور مستمراً في المجالات العسكرية والسياسية والأمنية.

ويقابل هذا المسار مسار غربي يصرُّ على تنفيذ قرارات مجلس الأمن وبيان جنيف1 وهو ما تضمنته "اللاورقة الأمريكية" ذات النقاط الخمسة.

هذا المسار يرفضه الروس والإيرانيون إذ سيكون مؤداه الإطاحة بالنظام الأسدي وتشكيل هيئة حكم انتقالية تشمل كل السوريين بدون رأس النظام وبطانته وهو ما يعني خسارة الاستثمار العسكري والسياسي والمالي لروسيا وإيران والقبول بما يسمح به الغرب.

بيان قمة أنقرة الذي يقول بضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة السورية لم يفعل طرفاه الروسي والإيراني على الأرض ما يعزز هذا الاعتقاد بل أنّ ما يفعلانه هو في اتجاه آخر، والدليل على ذلك معارك الغوطة الشرقية والتهديد بمعارك في درعا وربما لاحقاً في القلمون وشمال حمص وغيرها، بل فعلا العكس من ذلك إذ أن الروس ومعهم الإيرانيين يعملون وفق خطة القضم المتتالي باستخدام القوة العسكرية من أجل الإمساك بأوراق تفاوض لاحقاً وهذا يتنافى مع ما ذكره البيان من "عدم وجود حل عسكري للصراع في سوريا".

لو كان الطرفان الروسي والإيراني يريدان حلاً حقيقياً للصراع في سوريا ما كانا عرقلا تنفيذ قرارات مجلس الأمن وما كانا زادا من تدخلهما العسكري على الأرض لمصلحة تعويم النظام الأسدي رغماً عن إرادة شعبه.

ولهذا يمكن القول إن بيان قمّة أنقرة الثلاثية عبّر عن عجز بنيوي على فرض حل في سوريا وفق المنظور الروسي، وأن هذا الحل ينبغي أن يشكّل محوراً لتلاقي مصالح جميع الأطراف بما فيها الشعب السوري، أي يجب أن يلحظ الحل أولاً وقبل كل شيء مصالح الشعب السوري صاحب الحق بالتغيير وكذلك أن يتبنى الحل مسألة الانتقال السياسي وتشكيل هيئة حكم انتقالية لا يشارك فيها رأس النظام وبطانته، وأن يمنع الحل أيّ تهديد لدول الجوار السوري وأن يلحظ حلّ القضية الكردية باعتبارها جزءً من القضية الوطنية السورية لا أن تبقى هذه القضية موضوع صراع إقليمي ودولي يدفع السوريون ثمناً باهضاً لها نتيجة الرؤية المغامرة لبعض القوى.

إن بناء حكم وطني ديمقراطي يعترف بحقوق جميع مكوناته الاثنية والدينية على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات وضمن وحدة سوريا وسيادتها على أراضيها هو ما يجب أن يقرّه الروس والإيرانيون ويعملان به وليس فقط الحديث به.

لذلك إذا لم يتقارب مسار الحل بين القوى الضامنة لاتفاقات أستانا مع مسار الحل الدولي المرتكز على قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالصراع في سوريا وعليها فإن الصراع في هذا البلد قد يأخذ أبعاداً جديدة من الصراع العسكري وهذا ليس تخيلاً ولكنه واقع يحتاج إلى إرادة جادة محورها عدم إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لتعويم نظام سياسي استبدادي أكل الدهر عليه وشرب.

الوسوم
اظهر المزيد

أسامة محمود آغي

أديب وإعلامي سوري

مقالات ذات صلة

إغلاق