مدونات TR

ممر السلام… قاب قوسين

لا يخفى على مطلع على الأحداث في سوريا بشقيها السياسي والعسكري أن الأمور متجهة نحو عملية عسكرية تركية شرقي نهر الفرات ضمن الأراضي السورية.

وكان جليّاً أن القيادة السياسة في كل من واشنطن وأنقره لم تصلا إلى اتفاق يرضي الطرفين حتى الآن، رغم زيارة المبعوث الأمريكي المعني بالملف السوري إلى تركيا، إلا أن الأتراك أعلنوها واستبقوا زيارته إلى أراضيهم بأن قرار عملية “ممر السلام” كما هو متوقع أن يطلق عليها، قد اتخذ وقد أبلغت تركيا كلاً من واشنطن وموسكو بالأمر.

ولكن لماذا تأخرت أنقره باتخاذها القرار “الأهم” أمنيا إلى الآن؟

يبدو لي أن الجواب يكمن في 5 نقاط، 3 نقاط خارجية و2 داخلية، ولنبدأ بالشأن الداخلي:

1-  كان من الأهمية بمكان أن تنتظر الحكومة التركية الانتهاء من مسألة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول وما تبعها بطبيعة الموقف من آثار في الشارع التركي إذ وبعد مرور سنوات عديدة على سيطرة الحزب الحاكم على رئاسة بلدية تركيا المصغرى “إسطنبول” استطاع حزب الشعب الجمهوري المعارض أن ينتزع كرسي الرئاسة من حزب العدالة والتنمية، وهذا الفوز له ما له من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية فضلاً عن السياسية في الداخل التركي.

2- نتيجة لفوز مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو بمنصب رئيس بلدية إسطنبول ، وما تبع ذلك من ضغوط على حزب العدالة والتنمية سيما في قضية الوجود السوري في المدينة، فقد قررت وزراة الداخلية “تنظيم وجود السوريين في إسطنبول” للتخفيف من الاحتقان الداخلي التركي تجاه السوريين من جهة، وللضغط على أمريكا وروسيا بأن اللاجئين السوريين في طريقهم تباعاً إلى بلدهم وعليه فإن المنطقة الآمنة حان وقتها.

وعلى المستوى الخارجي يمكننا القول:

1- الوعود والتطمينات الأمريكية لتركيا بأن وجود الانفصاليين على الشريط الحدودي معها سيعالج، وأن أمريكا تتفهم القلق التركي على أمنها القومي بسبب وجود أولئك الإرهابيين بحسب تعبير الأتراك، لذا كان لزاما على أنقره أن تتريث لحين تبيان ما ستقوم به واشنطن من أمور قد تبدد مخاوف القيادة في بلاد الأناضول.

2- ليس ببعيد أيضاً عن أمريكا ولكن هذه المرة تقرب تركيا من روسيا عسكرياً بعد شراء واستلام منظومة S-400 الروسية، بعد أن صبرت تركيا كثيرا على الغرب حين طلبت شراء منظومة دفاعية منها ولكن دون جدوى، أما وأنّ السلاح التركي بشقه الدفاعي قد بدأ يشتد ويسد النقص فيه من خلال عرض موسكو على أنقره لتيمم وجهها إليها عسكرياً وقد تم بالفعل، فهنا أصبحت تركيا أكثر صفاء وتركيزا على عملية عسكرية ضرورية تحمي بها أرضها ومواطنيها، رغم المباحثات التي لم تتوقف بين تركيا وأمريكا والتي تقصد الأخيرة ثني الأولى عن طريقها في عمل عسكري قد يؤثر سلباً على العلاقات بين البلدين.

3- وهذه النقطة يمكننا القول أنها رسالة للداخل التركي والمحيط الإقليمي اللذين ينظران إلى إدارة البلاد بطريقة غير مرضية بل بتململ بسبب السياسة الداخلية والخارجية على حد سواء، فكان لزاماً على الرئيس أردوغان والحكومة التركية أن تعلن عن عمل عسكري يؤكدان من خلاله قوة وحكمة وصوابية القيادة التركية في تعاملها مع الشأنين الداخلي والخارجي ومن هنا جاء تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يؤكد فيه القرار الذي نوقش كثيراً وهو أن إطلاق العملية العسكرية شرقي الفرات قد أصبح بحكم الواقع.

ورغم أنه يُقرأ في هذا التصريح ضغط على واشنطن وموسكو بعد إبلاغهما بقرار العمل العسكري، علّهما يدركان أن تركيا في أقصى درجات الجدية لتطبيق هذا القرار والذي تأخر لأسباب ذُكرت آنفاً، وأن ما بعد هذا التصريح من قيادة الهرم التركي ليس كما قبله وأن للصبر السياسي حدود، وقد وصل الأتراك إلى نهاية هذه الحدود على ما يبدو.

مهند حافظ

صحفي سوري مهتم بالشأن التركي والشأن السوري، لا أنتمي لأي حزب أو فكر، وآرائي تمثل وجهة نظري فقط
زر الذهاب إلى الأعلى