
أكدت خطبة الجمعة في عموم مساجد تركيا، اليوم، على أن الوحدة والتكاتف من أعظم القيم التي يقوم عليها المجتمع المسلم، وأشارت إلى أن الإسلام جعل الأخوّة الصادقة أساسًا للقوة والمنعة.
وحذّرت من الفرقة وآثارها المدمّرة، لافتة إلى أن التمسك بحبل الله، وتعزيز روح التضامن في أوقات الرخاء والشدة، هو السبيل لحفظ الأوطان وصون الكرامة، ومواجهة التحديات التي تمر بها الأمة في مختلف الظروف.
خطبة الجمعة:
إن من القيم التي تجعل الناس مجتمعًا واحدًا، وتمكّن الأمم من أن يكون لها حضورها على مسرح التاريخ، شعورَ الوحدة والتكاتف.
إن ديننا الحنيف الإسلام يأمرنا بالعيش أخوةً في جو من المحبة والاحترام، وبأن نتعامل فيما بيننا بالشفقة والرحمة. وقد نهانا الله تعالى عن الفرقة وتمزيق أواصر الأخوة وقطع أواصر المودة فيما بيننا، إذ يقول جلّ وعلا “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا”.
إن أبهى صور وحدتنا وتكاتفنا تتجلى في حب الوطن؛ فالوطن هو تاريخنا، وثقافتنا، وماضينا، ومستقبلنا، وهو أرضنا المباركة التي تحمّلنا في سبيل حريتنا كل صنوف المشقة.
وهو أثمن أمانة ورثناها عن شهدائنا الأبرار الذين بذلوا أرواحهم، وعن غازينا الأبطال الذين انتقلوا من جبهة إلى جبهة دفاعًا عنه.
أما رمز وحدتنا وتكاتفنا، وحريتنا واستقلالنا، فهو رايتنا المجيدة، وحيثما ترفرف رايتنا ذات الهلال والنجمة، لا مكان للظلم والطغيان، ولا سبيل للخوف والحزن.
لقد اعتبرنا حمل رايتنا، التي استمدت لونها من دماء شهدائنا، شرفًا عظيمًا، وعشنا أسعد أيامنا في ظلها، ووجدنا الطمأنينة أينما رأيناها.
وقد عبّر شاعر الراية أصدق تعبير عن هذه المشاعر المتجذرة في قلوبنا حين قال:
يا زينةَ السماءِ الزرقاءِ بالبياضِ والحمرة
فستانُ عرسِ أختي، والكفنُ الأخيرُ لشهيدي
رايتي، نورًا نورًا، وموجًا موجًا
قرأتُ ملحمتك، وسأكتبُ ملحمتك.
من أقوى مظاهر وحدتنا وتكاتفنا أيضًا روحُ التعاون والتضامن التي نُظهرها في أيام الكوارث والشدائد.
فقبل ثلاث سنوات من هذا اليوم، شهدنا زلزالين كبيرين هزّا قلوبنا جميعًا.
وكما في كل مرة، وقفنا حينها صفًا واحدًا، وفرحنا معًا بكل أخٍ نجا من تحت الأنقاض، وحزنّا جميعًا على كل روحٍ فقدناها.
وبعناية الله، وبإرادة دولتنا، وتلاحم شعبنا، داوينا جراحنا، تقاسمنا الطعام والمأوى، فخففنا من آلامنا، وكنا شهودًا أحياء على معنى الحديث الشريف “مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى”.
إن الواجب الملقى على عاتقنا اليوم هو أن نحمل روح الوحدة والتكاتف إلى جميع مجالات حياتنا.
وأن نشدّ الأيدي والقلوب بعضَها إلى بعض، امتثالًا لقول نبينا الكريم صلى الله عليخ وسلم “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا”، وأن نحافظ على المودة فيما بيننا، ونعزّز روابط الأخوة بيننا.
فلنتذكر دائمًا أنه ما دمنا متحدين حول الإيمان ذاته والمثل العليا نفسها، على هذه الأرض المباركة، وتحت ظل رايتنا ذات الهلال والنجمة، فلن يكون هناك عائق لا نستطيع تجاوزه، ولا صعوبة تعجزنا عن التغلب عليها.
وبهذه المناسبة، نسأل الله تعالى أن يتغمد برحمته إخوتنا الذين انتقلوا إلى الدار الآخرة بسبب الكوارث التي مررنا بها، وفي مقدمتها زلازل كهرمان مرعش، وأن يرحم شهداءنا الذين ضحّوا بأرواحهم في سبيل مقدساتنا.
ونسأله سبحانه أن يحفظ وطننا، وأمتنا العزيزة، والإنسانية جمعاء، من كل بلاء، ومن شرّ الفتن والفساد.




