منوعاتهام

أردوغان وأرطغرل.. وقيامة الأمة (مقال)

حين تلاقت بصيرتي بين شخصية الرئيس رجب طيب أردوغان، ومسلسل “قيامة أرطغرل”، استوقفني سؤالٌ واحدا:

هل نحن أمام رجلٍ من لحم ودم؟ أم أننا نشهد أطيافًا من تاريخٍ حيّ يُبعث في أمةٍ تنتظر من ينهض بها من الرماد؟

ولعل من تابع مقالاتي السابقة، سيجد أنني كنت – ومنذ سنوات – أرددها بثقة:

أردوغان هو حفيد أرطغرل، ومتمم قيامة الأمة.

تلك لم تكن مبالغة عاطفية، بل قراءة بصيرة لخط متصل في التاريخ، حيث تتلاقى العزائم، وتتسلسل الرسالات، من السيف إلى القرار، ومن الكهف إلى القصر، ومن الفارس إلى السياسي. أرطغرل حمل الراية وأسس الطريق… وأردوغان أكمل المسير.

دراما تُعلّمنا كيف تُبنى الأمم

كثيرون رأوا في مسلسل “أرطغرل” مجرّد ملحمة درامية جميلة، أو ترفًا بصريًا في ليالي الشتاء الطويلة. أما أنا، فقد رأيت فيه مدرسةً مكتملة الأركان، تَصنع أمةً، وتَبعث في قلوب أبنائها الإيمان بالرسالة، والعزم على بناء المستقبل. لقد تابعت المسلسل كاملًا ثلاث مرات، لا ترفًا، بل تربويًّا، فكريًّا، ووجدانيًّا، مع أولادي وأسرتي، لأنني مؤمن بأن هذا العمل ليس تسليةً، بل تربيةٌ بالدراما، ونهضةٌ عبر الشاشة.

كان أرطغرل في تلك المشاهد فارسًا لا يهدأ له جواد، وقائدًا لا يغفل له قلب. جعل من راية العقيدة وشرف السيف عنوانًا، وفتح الطريق أمام الدولة التي ستصير ذات يوم إمبراطوريةً تدق أبواب فيينا.

ومن خلفه، كان يطلّ علينا وجه شيخٍ وقور، رجلٌ جمع بين نور العلم وصفاء القلب، العالم الرباني محمد أمين سراج – طيّب الله ثراه – الذي لم يكن مجرد مرشد روحي لأبطال المسلسل، بل كان بوصلةً أخلاقية وفكرية لأجيال الأمة التي نسيت دور العلماء الربانيين في ترميم المجتمعات وبناء الأوطان.

أرطغرل يصنع القيامة، وأردوغان يُتمّها

في عصرنا، لا أرى أحدًا يجسّد امتداد ذلك المشهد التاريخي مثل الرئيس رجب طيب أردوغان. الرجل الذي خرج من أزقة إسطنبول، لا بلباس سلطاني، بل برداء الخدمة، وبقلبٍ عامر بالإخلاص. أحببته لأنه صادقٌ في وطنيته، مخلصٌ في توجّهه، جمع بين عمق الرؤية وصرامة القرار، بين دمعة أمينة أردوغان، وسيف “درع الفرات”.

إننا أمام قائدٍ يتجاوز القوالب الجاهزة؛ لا شعارات رنانة، ولا ارتجال سياسي. بل قرارات محسوبة، ورؤية ناضجة. لم يكن مجرّد رجل دولة، بل مشروع أمّة. وحين نتأمل خطابه وفعله، نلمح فيه سيرة أرطغرل نفسه: ثبات في الشدائد، ورحمة بالضعفاء، ورفض مطلق لأي تقسيم أو تفريط.

فنٌّ يصنع الأمة… لا يضيعها

عندما درسنا الأدب، تعلّمنا أن للفن رسالتين: إما أن يبني الإنسان، أو يدمّره. وقد قلت مرارًا: “أعطني فنًّا محترمًا، أعطك شعبًا عظيمًا”. وما المسلسل التاريخي الناجح إلا أداة تربية عميقة، تُشكل ذوق الجماهير، وتبني الهوية. أليست المسرحيات عبر التاريخ مناراتٍ للفكر والتوجيه؟ وهكذا أصبحت الدراما المعاصرة ساحةً للتأثير والتغيير.

مسلسل أرطغرل، لم يكن دعوة للحرب، بل دعوة للكرامة. لم يكن تجميلًا للماضي، بل إضاءةً للحاضر واستشرافًا للمستقبل. فيه مدرسة في القيادة، والتضحية، والعدل، والأنوثة المحتشمة المقاتلة، والجيش المؤمن، والإيمان الراسخ، والعمل المتقن، والتوكل على الله… كل هذا في قالب مشوّق يزرع فينا معنى القيامة من جديد.

التحالف التركي – العربي… جسر النهضة الجديدة

وإذا كانت الأمة تشهد اليوم إرهاصات البعث والنهوض، فإن التقارب التركي العربي لم يعد مجرّد مصلحة آنية، بل تحوّل إلى حجر الزاوية في مشروع “قيامة الأمة”.

لقد أدركت تركيا، بقيادة الرئيس أردوغان، أن لا نهضة مستقلة في أمة مقسّمة، وأن تحصين الداخل لا يكون إلا بتقوية العمق العربي الإسلامي. ومن هنا، نشأ تحالف استراتيجي مع دول ذات وزن وقيمة روحية وميدانية:

قطر: الشريك الأقرب، والداعم الثابت لقضايا الأمة، والمناصر الأبرز للعدالة والحرية.

الكويت: التي توازن بين الحكمة والكرم السياسي، وتؤدي دورًا إنسانيًا رائدًا.

ليبيا: حيث وقفت تركيا إلى جانب الحكومة الشرعية ضد الفوضى والانقلاب.

الصومال: نموذج الدعم التركي المتكامل: أمني، تنموي، تعليمي.

وسوريا، القلب النابض للأمة: آن الأوان أن يعود هذا البلد الجريح إلى حضن العدل والحرية، وأن تُمنح الثورة السورية – وأحرارها – الدعم اللازم لصناعة سوريا جديدة، موحّدة، مستقلة، خالية من الاحتلالات والتقسيم والاستبداد.

إن دعم سوريا ليس خيارًا سياسيًا، بل هو واجب شرعي واستراتيجي وأخلاقي لكل من يسعى لنهضة الأمة وتكامل قواها.

نحو قيامة جديدة

نعم، أحببتُ أردوغان… لأنه أحب أمته، وأحب دينه، فرفعه الله. وأحببت أرطغرل، لأنه قاد قومه في زمن الشتات، فجعل منهم أمة.

واليوم، تتجلّى بينهما صورة متكاملة، لنهضة حقيقية، وقِيامَةٍ تستحق أن تُكتب بحبر الشهداء وعرق الأبطال.

خالد شبيب

أستاذ الاقتصاد في المجلس العام للمؤسسات والبنوك الإسلامية
زر الذهاب إلى الأعلى