مدونات TRهام

العلاقات التاريخية بين تركيا وسلطنة عُمان.. شراكة تمتد عبر القرون وتزدهر في الحاضر (مقال)

تشهد العلاقات بين سلطنة عُمان وتركيا، تطورًا متسارعًا في السنوات الأخيرة، لكنها في الواقع ليست وليدة اللحظة، بل تستند إلى إرث تاريخي طويل يمتد لقرون، جمع بين البلدين في مجالات التجارة والملاحة والثقافة، قبل أن يتحول إلى تعاون استراتيجي يشمل الاقتصاد والدفاع والطاقة والإعلام والثقافة.

ترجع أصول العلاقات بين سلطنة عمان وتركيا إلى العصور الوسطى، حين كانت طرق التجارة البحرية تربط موانئ الخليج العربي بموانئ البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، في الوقت الذي لعب فيه العُمانيون دورًا محوريًا في التجارة البحرية عبر المحيط الهندي، في حين كانت الدولة العثمانية تسيطر على طرق التجارة في شرق إفريقيا والجزيرة العربية، ما خلق تواصلًا طبيعيًا بين التجار والملاحين من الجانبين.

وفي القرن السادس عشر، مع توسّع النفوذ العثماني في منطقة الخليج العربي، نشأت علاقات مباشرة بين سلاطين عُمان والإدارة العثمانية في البصرة واليمن والحجاز، وتميّزت بالتعاون وتبادل المصالح، لا بالصراع كما كان الحال مع قوى أخرى. وقد ساهم هذا التواصل في تعزيز التبادل التجاري والثقافي بين الشعبين.

ومع قيام الجمهورية التركية الحديثة، استمرت الروابط بين أنقرة ومسقط على مستوى التواصل التجاري والثقافي، لتتوج رسميًا بتأسيس العلاقات الدبلوماسية الكاملة في الثامن والعشرين من شهر يونيو 1973 ومنذ ذلك التاريخ، تطورت العلاقات بشكل متدرج، مدفوعة بسياسة البلدين الخارجية المتوازنة والبعيدة عن الاستقطاب.

تجلّى التفاهم بين سلطنة عمان والجمهورية التركية، في تعدد الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، حيث استضافت تركيا السلطان هيثم بن طارق في زيارة تاريخية عام 2024، تبعها الرئيس رجب طيب أردوغان بزيارة إلى مسقط في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2025، ليتم خلالها توقيع حزمة من الاتفاقيات في مجالات الاستثمار والدفاع والطاقة والتعاون الثقافي.

يُعد الجانب الاقتصادي من أبرز ركائز العلاقة بين مسقط وأنقرة، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وسلطنة عُمان أكثر من 800 مليون دولار أمريكي في عام 2024، مع طموحات مشتركة لرفعه إلى ملياري دولار خلال الفترة القادمة.

وتنشط الشركات التركية في مشاريع البنية التحتية والبناء والنقل والخدمات اللوجستية في عُمان، بينما تتيح السلطنة فرصًا استثمارية كبيرة ضمن رؤيتها الطموحة عُمان 2040، التي تتقاطع مع الرؤية التركية للتنمية الصناعية والتقنية.

وشهد التعاون الدفاعي بين البلدين تطورًا ملحوظًا، مع توقيع مذكرات تفاهم لتعزيز القدرات العسكرية والتدريبية وتبادل الخبرات في الصناعات الدفاعية، بينما لا تقتصر العلاقات بين السلطنة وتركيا على السياسة والاقتصاد، بل تمتد إلى الجانب الثقافي والإنساني، فهناك اهتمام متزايد في عُمان بتعلّم اللغة التركية ودراسة التاريخ والثقافة العثمانية، يقابله في تركيا اهتمام بالأدب العُماني والموسيقى البحرية التقليدية.

أما القطاع السياحي بين البلدين فيشهد نموًا مستمرا، إذ أصبحت تركيا وجهة مفضلة للمواطنين العمانيين، فيما يتزايد عدد الأتراك الذين يزورون السلطنة للاستمتاع بطبيعتها الفريدة وثقافتها المتنوعة.

وما يميز العلاقات العُمانية ـ التركية هو النهج الدبلوماسي المتزن لكلا البلدين، فتركيا وعُمان تتبنيان سياسة خارجية قائمة على الحوار والوساطة وتجنّب التصعيد، ما يجعلهما شريكين طبيعيين في منطقة تشهد الكثير من التوترات، ويتشارك البلدان الموقف ذاته من قضايا إقليمية عدة، أبرزها دعم القضية الفلسطينية، وتعزيز الأمن والاستقرار في الخليج العربي، ورفض التدخلات الخارجية في شؤون المنطقة.

اليوم، وبعد مرور أكثر من خمسة عقود على تأسيس العلاقات الدبلوماسية، تقف تركيا وسلطنة عُمان على أعتاب مرحلة جديدة من التعاون الشامل، فالتاريخ المشترك، والمصالح المتبادلة، والرؤية المشتركة لمستقبل المنطقة، كلها عوامل تهيئ الأرضية لشراكة مستدامة تعود بالنفع على الشعبين، فالعلاقة بين عمان وتركيا ليست مجرد تواصل سياسي أو اقتصادي، بل هي جسر حضاري وإنساني يجمع بين شعبين يرتكزان على قيم الاحترام المتبادل والتعاون والسلام.

حسن إسماعيل

صحفي ـ مهتم بالشأن اليمني والتركي
زر الذهاب إلى الأعلى