مدونات TR

تركيا بين سياستين.. بناء للسلام ومواجهة للتحديات

تركيا بين سياستين.. بناء للسلام ومواجهة للتحديات

تتسع حالة الصراع على سوريا بين محوريها الرئيسيين الأمريكي والروسي، وتأخذ أشكالاً من المواجهات المختلفة سواءً على الأرض السورية أو خارجها، فالأمريكيون يتحدثون كثيراً ويفعلون قليلاً، والدليل هو التصريحات المتراكمة منذ قدوم دونالد ترامب إلى البيت الأبيض والمحددات التي وضعها لسياسته حيال ملفات الصراع في سوريا وعليها كالحرب على "داعش"، وطرد إيران من سوريا ومنع هلالها الشيعي، والإصرار على تنفيذ القرار الصادر عن مجلس الأمن رقم 2254، وإعادة الدور الروسي إلى حجمه الطبيعي المتناسب مع قواه الحقيقية (الاقتصادية – العسكرية – التقانية).

الدولة التركية تنشد وقف الحرب والصراع في سوريا ومنع حدوث حسم عسكري لمصلحة النظام الأسدي أو لمصلحة مشاريع إقليمية أو دولية

 

 

ولكن أين قيمة الفعل الأمريكي واقعياً وفق محدداته؟

الجواب بسيط وواضح وهو أن الأمريكيين يقولون كثيراً ويتراجعون أكثر والسبب أنهم لم يمتلكوا بعد استراتيجية متكاملة قابلة للتنفيذ تُنتجُ إنجاز تلك المحددات.

بالمقابل فإن الانخراط الروسي بالصراع في سوريا وعليها، وضع الدولة الروسية في حسابات جديدة بعيدة عن حسابات الكرملين التي كانت تعتقد أنها كافية لإنجاز فرض حلٍ سياسي على ذلك البلد من خلال استخدام القوة العسكرية ودون مقاربة بنية وتكوين طبيعة الصراع العميقة المرتكزة على إزالة الاستبداد الدموي.

وأهم النقاط المغفلة من الحسابات الروسية تتمثل بالزمن المرهق الذي اعتقد بوتين أن ستة أشهرٍ منه على أبعد تقدير كافية لحسم الصراع في سوريا، وبالتدخل الأمريكي الذي تزداد وتيرته بأشكال مختلفة والذي بدأ يتضح من خلال توريط الروس وحلفهم الإيراني الشيعي الصريح في صراع يستنزف طاقاتهم العسكرية والاقتصادية.

الأمريكيون وحلفائهم الذين أتوا إلى سوريا لم يأتوا من أجل حلٍ ينتصر للشعب السوري صاحب الحق في تغيير بنية نظام حكمه من نظام استبدادي مدمّر إلى نظام وطني ديمقراطي يقوم على مبدأ الديمقراطية التعددية ووحدة البلاد سياسياً.

فلو كانت تلك مهمتهم ما كانوا عقدوا تحالفاً مع قوة عسكرية وسياسية هي تنظيم PYD الذي وقف ضد الثورة السورية منذ بداياتها وقمعها في المناطق الكردية بقوة السلاح، وإنما كانوا دعموا الاتجاهات المعتدلة في الفصائل العسكرية للثورة السورية وهي الأوسع تمثيلاً للقاعدة الشعبية السورية.

على أرضية هذا الصراع بين هذين المحورين الأمريكي والروسي وجدت تركيا التي احتضنت أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري على أراضيها، نفسها معنيةً بالصراع الجاري عند حدودها الجنوبية والذي بدأ يهدد أمنها القومي وتطورها الاقتصادي المتزايد، وأول هذه الأخطار هو تطوير الفعل التهديدي ضد الدولة التركية من خلال المشروع الأمريكي المتمثل بإنشاء حرس حدود محوره الرئيسي "قوات الحماية الكردية" الذراع العسكرية لتنظيم PYD وهو الفرع السوري لتنظيم PKK الذي يستخدم القوة العسكرية لفرض رؤيته السياسية بإقامة دولة كردية في المنطقة، والمصنف أمريكياً على لوائح القوى الإرهابية.

ثم الخطوة الجديدة لزج دول عربية في معارك ضد تركيا في الشمال السوري تحت حججٍ واهية، هذه الخطوات قادت تركيا إلى التدخل في الصراع السوري وفق رؤيتها السياسية، فهي معنية بمنع قيام كيان حكمٍ ذاتي على طول شريطها الحدودي مع سوريا يهدّد بنيتها الديمغرافية وأمنها القومي، ومعنية بتوفير أقصى درجات الاستقرار لمشروع نهضتها الاقتصادية الناهضة بمؤشرات نمو كبيرة وهذا يتمُّ عن طريق المساهمة ببناء السلام الحقيقي في سوريا، المستند أساساً على قرارات الشرعية الدولية مع إبعاد من دمّرَ البلادَ وقتلَ العبادَ عن آلية ونتائج الحل السياسي المنشود.

هذه التحديات الواقعية هي من جعل تركيا تنهض بمعركة السلام وتتدخل عسكرياً من أجل تقصير زمن الصراع، ومن أجل بلوغ سلام آمنٍ ودولة مؤسسات للسوريين يبنونها بأيديهم وبمساعدة أصدقائهم، هذه السياسة التركية أزعجت ولا تزال تُزعج الولايات المتحدة وحلفها الغربي الذين لم يقفوا ضد انقلاب 15 تموز 2016.

الولايات المتحدة تريد أن يتحول الجميع إلى بيادق على رقعتها السياسية والاقتصادية، وهي تنظر من هذا المنظار إلى الصراع الجاري في سوريا وعليها، بينما الدولة التركية تنشد وقف الحرب والصراع في سوريا ومنع حدوث حسم عسكري لمصلحة النظام الأسدي أو لمصلحة مشاريع إقليمية أو دولية وذلك من أجل خلق حالة توازن تقود هذه البلاد إلى مفاوضات حقيقية بأوراق يملكها الجميع تساعد على إرساء نظام سياسي جديد ومتوازن يحقق العدالة لكل مكوناته على قاعدة المواطنة المتساوية ودون أي احتمالات لتقسيم أو انفصال أجزاء من الأرض السورية.

السياسة التركية تزداد قوتها وفعاليتها مع ازدياد نصرتها للقاعدة الشعبية والسياسية السورية التي تريد دولة وطنية ديمقراطية، هذه السياسة التي تدلّل على أنه لا مطامع لتركيا في الأرض السورية ولا خطط لديها لأي مساسٍ بتغييرٍ ديمغرافي، بل هي ذاهبة إلى تقوية اتجاهات الاعتدال السياسي لتحقيق استقرار هذه البلاد التي انهكتها الحرب وأنهكها الاستبداد.

تركيا اليوم بين سياستين، سياسة بناء السلام في سوريا، وسياسة مواجهة التحديات الماثلة أمام هذا السلام.

والسؤال هل ستتمكن تركيا من ترسيخ دورها في بناء المعادلة السياسية السورية الجديدة أم تدعُ هذه المهمة لقوى إقليمية ودولية من الواضح أنها ترسم الأمور لغير مصلحة الشعبين السوري والتركي؟

الوسوم
اظهر المزيد

أسامة محمود آغي

أديب وإعلامي سوري

مقالات ذات صلة

إغلاق