
شكلت الأعوام الثلاثة الماضية نقطة فارقة في تاريخ الدولة التركية، بما تركت من علامات جلية على اقتصادها الذي استطاع الصمود أمام هجمات مالية وأزمات سياسية عصيبة ومتتالية.
فبعد 3 أعوام من الضبابية الاقتصادية، شكلت الأشهر الأولى من العام الجاري، بداية مؤشرات التعافي، من خلال ارتفاع مؤشرات التجارة الخارجية والسياحة، وتحسن بنسبة النمو، وانخفاض تدريجي بنسبة التضخم ليصل إلى حده الأدنى منذ 3 أعوام، الأسبوع الماضي.
يشير المراقبون إلى أن الإرادة السياسية بالصمود والتغيير شكلت الحجر الأساس في قدرة تركيا على مواجهة هذه الأزمة، وأن الخطة الاقتصادية التي أعلن عنها وزير الخزانة والمالية التركي براءت البيرق، نهاية أيلول/سبتمبر العام الماضي، بتوجيهات من الرئيس رجب طيب أردوغان، قد شكلت رؤية للتعامل مع الأزمات المالية، رغم ما تلقته في البداية من تشكيك ووصف بالطوباوية والمثالية.
تبنت هذه الخطة التي سميت “ملامح خريطة الطريق الجديدة للبرنامج الاقتصادي” أهدافا عديدة، كان أهمها إيصال معدل التضخم السنوي لـ 12% نهاية العام الجاري، وهو ما تؤكد حدوثه المؤشرات الاقتصادية التركية خلال هذا العام، فكيف استطاعت الحكومة التركية إدارة دفة الأزمة الاقتصادية؟ وكيف تجلى ذلك على أرض الواقع؟

تحصين الجبهة الداخلية
المحلل السايسي والخبير الاقتصادي التركي يوسف كاتب أوغلو، أشار في حديث مع “وكالة أنباء تركيا” إلى أن “السياسة التركية للتعامل مع الأزمة الاقتصادية شملت في هدفها الأول تحصين جبهتها المالية الداخلية من خلال ضبط نظام التعامل المالي مع الدول، وتحفيز تبادل العملات والسلع بالعملات المحلية للدول بعد وضع اتفاقيات منظمة لهذه العمليات، كما شملت عملا منظما في ضبط المضاربات داخل أسواق الصرف والبورصة داخليًا، بغية عدم السماح لتكرار محاولات ضرب العملة التركية التي حدثت خلال الأعوام الماضية”.
وتابع “شملت هذه السياسة أيضا قرارات سيادية بإلغاء كافة عقود الإيجارات للأراضي والعقارات والمراكز التجارية المتفق عليها بالدولار الأمريكي أو أي عملة أجنبية أخرى، واستبدالها بالليرة التركية”، لافتا إلى أن “هذه السياسة بدأ تطبيقها بشكل تدريجي على عقود العمل والتوظيف أيضا”.
تحفيز الإنتاج
وأكد كاتب أوغلو أن “الدولة التركية عملت خلال العامين الماضيين على تحفيز الإنتاج المحلي، وتعويض الخلل الناجم عن ضرب سعر صرف الليرة من خلال تقديم دعم مالي للمؤسسات المتوسطة والصغيرة على شكل قروض عمل وهبات، وصلت لحد 25 مليار ليرة تركية استفادت منها الالاف من الشركات المتعثرة عبر منظمة الشركات المتوسطة والصغيرة التركية”.
وأضاف أن “هذا التحفيز ساهم في رفع مؤشر أسعار المنتجين خلال تشرين أول/أكتوبر الماضي بنسبة 0.17% على أساس شهري، و1.7% على أساس سنوي، كما خفض معدل البطالة ليسجل نسبة 12.8% نهاية أيار/مايو الماضي، وساهم في تحسن مؤشرات التجارة الخارجية ورفع قيمة الصادرات لتصل إلى 150 مليار دولار منذ بداية العام الحالي، وضمن خطة معدة لتكسر حاجز الـ 170 مليار دولار حتى نهاية العام”.
وأوضح كاتب أوغلو أنه “وضمن هذه الخطة، شكلت السياحة مدخلا رئيسيا لدفع عجلة الاقتصاد، إذ حقق قطاع السياحة زيادة بنسبة 24% على أساس سنوي في نيسان/إبريل الماضي، مما ساعد في تحسين أداء ميزان المدفوعات لتركيا خلال العام الجاري”.
خفض سعر الفائدة
لطالما شكل سعر الفائدة محط خلاف دائم بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومحافظ البنك المركزي السابق مراد تشتين قايا، الذي رفض مرارا تطبيق توجهات أردوغان وخفض نسبة الفائدة التي وصلت لحد 25%.
في تموز/يوليو الماضي أصدر الرئيس التركي مرسوما بعزل محافظ البنك المركزي، ليحل محله نائبه مراد أويصال، تبعه مباشرة تنفيذ لتوجهات الرئيس اردوغان، بخفض نسبة الفائدة إلى 14% على مرحلتين، وتخفيف التشدد في السياسة النقدية بالأسواق. هذه السياسيات كان لها الأثر المباشر في تحريك عجلة الاقتصاد من خلال دفع المستثمرين لسحب ودائعهم المالية من البنوك، وتحريك عجلة الركود بمشاريع استثمارية حقيقية على أرض الواقع.
وللشعب نصيب
وختم كاتب أوغلو لافتا النظر لـ”الهبة الشعبية التركية لنجدة الاقتصاد التركي في آب/أغسطس 2018، استجابة لنداء الرئيس أردوغان، وصرف المخزون الفردي من الدولار الأمريكي، في حالة حضارية تكافلية يندر وجودها، ليثبت الشعب التركي مرة أخرى قدرته على التحدي والصمود، ورفض كافة التدخلات الخارجية على سياسة دولته واقتصادها الذي يسير خطوات واثقة رغم الهزات والأزمات، وليثبت الشعب التركي إيمانه بالمنجزات الاستراتيجية والاقتصادية التي حققتها الدولة التركية خلال الأعوام العشرين الأخيرة وعدم رغبته في التنازل أو التخلي عنها”.





