كان للمجتمع الدولي هدف في سياساته الخاصة بالشأن الليبي؛ حيث عمل على وضع حد “ظاهري” للانقسام السياسي الذي ظهر بعد ثورة فبراير، والذي تسبب باندلاع حرب أهلية، وتقاتل على السلطة، وقيام حكومتين في ذات البلد الواحد.
ولتغليف هذا الهدف؛ كان قد نظم المجتمع الدولي نقاشات بقيادة مبعوث الأمم المتحدة الخاص آنذاك، بهدف التوصل إلى إجماع لتشكيل حكومة وحدة منبثقة من المؤتمر الوطني العام، ومجلس النواب، الشأن الذي صرح به المجتمع الدولي على أنه “يتيح التصدي لعدم الاستقرار والانقسام في الدولة“؛ لتكون بذلك أداة مشروعةً دولياً لدفع الأجهزة الأمنية الغربية إلى الانخراط في النزاع القائم داخل البلد الواحد، ولكن مشروع حكومة الوفاق الوطني لم ينجح بالشكل الكافي، وذلك لأسباب، بدءاً من نطاق السياسة الضيق الذي ركز فقط على اللاعبين السياسيين؛ بدلاً من إشراك الفاعلين في المجتمع الليبي كأساتذة الجامعات والشخصيات الأخرى الأكثر نفوذاً داخل المجتمع.
وهنا كانت أولى أخطاء المجتمع الدولي، في حين أن أعضاء المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب مجتمعين قد استغلوا المحادثات لصالحهم؛ بأن كان كل فريق يعمل ليصبح القوة المسيطرة في المنظومة الجديدة، ودليل ذلك أن شكل الاختلاف كان حول القطاع الأمني وتفويض السلطات، وليس حول حال الوطن الجريح أو المواطن المكسور.
وحين انتبه المجتمع الدولي للأخطاء التي وقع فيها، أراد استدراك الأمر، حيث بادر بإصدار بيان مشترك صادر عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، أن “حكومة الوفاق الوطني هي التي تمثل الشرعية الوحيدة في ليبيا“، وهذا ما أكده مجلس الأمن، دعماً منه لأهداف المجتمع الدولي من خلال القرار “2273“ الذي جدد بدوره تفويض بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
وهذا ما انتهجه الاتحاد الأوروبي في تلك الآونة في الشأن الليبي؛ حيث استقبل هذه الحكومة اعترافاً منه أنها “حكومة الوفاق الوطني هي التي تمثل الشرعية الوحيدة في ليبيا“ من دون الاكتراث للمشكلات المتعددة التي تحول دون تشكلها بالطرق المعهودة، والتي من شأنها أن تُحدث الانقسام الداخلي في ذات الدولة، والأهم كان في الفقرة (8) من اتفاق الصخيرات، والتي تُعنى بصلاحيات القائد الأعلى للجيش الليبي.
حيث أن ليبيا ليس لديها جيش وطني بالمعنى التقليدي، إلا أن اللواء حفتر كان قد بدأ بإنشاء نواة لقوة عسكرية تحت اسم “الجيش الوطني الليبي“، وهنا بدء الصراع الداخلي حول هذه “القشة التي قسمت ظهر البعير“ في ليبيا، والذي وصل إلى حد الانقسام الداخلي “الدامي“ الذي يقبض أرواح الشباب الليبي بين ضفتي الشرق والغرب في الوطن الواحد.
الأمر الذي يدفعنا إلى طرح عدد من التساؤلات عن طبيعة الدور الأوروبي وأهدافه الحقيقية في ليبيا اليوم، و خاصةً ذاك الاشتطاط الذي خرج به الاتحاد الأوروبي في عمومه، والذي تمثل في فرنسا وإيطاليا واليونان عقب الإعلان عن توقيع مذكرة تفاهم تركية – ليبية لترسيم الحدود المائية بين البلدين.
إلا أن المتتبع للشأن الليبي اليوم قد يغفل عن أصل الهدف الاستراتيجي المتمثل في نوايا المجتمع الدولي، وخاصةً دول الاتحاد الأوروبي، بخصوص سياسة فرنسا وإيطاليا في ليبيا؛ فنرى فرنسا تبدو تارةً مع الجهود الأممية من أجل إيجاد حل سياسي للأزمة في ليبيا، وتارةً أخرى تؤكد دعمها لحكومة الوفاق الوطني، وتارةً ثالثة نراها في الوقت نفسه من أبرز الدول اليوم الداعمة للقوات المقاتلة من الشرق الليبي.. فهل هذه “عقلانية أم ازدواجيه“؟!
نستنتج: أن فرنسا ضد التصعيد ظاهرياً، ولكنها تدعمه بطريقة ما، وهي تساند في نفس الوقت من يحاول تخفيف التصعيد، لنجد أنفسنا أمام حقيقة واضحة المعالم، هي أن فرنسا مهتمة جدا بليبيا، ولن تقبل أن لا يكون لها مستقبل في هذا البلد الفتي.
وعندما نُحلل المشهد حالياً في الصراع داخل الاتحاد الأوروبي “الفرنسي الإيطالي“ حول ليبيا، إيطاليا التي تعتبر أكبر العارفين بهذا البلد، مقارنةً بفرنسا التي مازالت في الواقع تكتشف هذا البلد، هذا طبعاً بالإضافة إلى التحالفات الإقليمية، كالسعودية والإمارات ومصر إلى جانب الشرق الليبي، وعلى الجهة الأخرى، كقطر وتركيا إلى جانب الغرب الليبي، هذا مع توزع ولاءات المدن والقبائل الليبية وتحالفاتها على هذه الأطراف، في خريطة سياسية معقدة للغاية.
وبهذا قد تصاعد فعلاً التنافس الفرنسي الإيطالي في ليبيا بشكل كبير في الآونة الأخيرة؛ فإيطاليا نجدها مستاءةً من التدخل الفرنسي في ليبيا؛ تعتبره جزءاً من نفوذها كقوة مستعمرة سابقة، بينما تتمسك فرنسا بمصالحها السياسية والاقتصادية في ليبيا، والذي يُعتبر بوابة كلاهما إلى إفريقيا، خاصةً دول الساحل التي تربطها علاقات جيدة بفرنسا.
وهذا ما جعل الصراع بينمها يتسم بـ”المنافسة الشرسة” والذي يُقاد في أصله بين شركتي النفط والغاز “توتال الفرنسية” و”إيني الإيطالية“، فسابقاً كانت السياسة تحكم اقتصاد العالم، أما اليوم، الاقتصاد هو من يحكم سياسة العالم.
إلا أن فرنسا ما زالت تحاول بشكل علني ورسمي الظهور بمظهر “الوسيط“ الذي يحاول تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين، فمؤخراً وليس بعيدا كانت قد حاولت جمع الأشقاء “الفرقاء“ في قصر الإليزيه، بينما نراها في الخفاء تدعم الجانب الشرقي من البلد “لوجستياً واستخباراتياً”، وبالتالي هي بذلك تدعم الحل العسكري؛ رغم أن الحل العسكري من شأنه أن يزيد من موجة المهاجرين نحو أوروبا، الأمر الذي بدوره يعود بالضرر على أولى دول المصب للمهاجرين إيطاليا، وبهذا تكون فرنسا قد أغضبت إيطاليا المستعمر السابق لليبيا.
لهذا نجد ذات الدائرة يتم تطويرها اليوم حول الملف الليبي، حين أخذت ألمانيا المبادرة “تخفيفاً عن كاهل فرنسا“ في جمع الداعمين الدوليين وأبرز الفاعلين في الأزمة الليبية، وهذا بحسب قراءتهم للموقف الليبي، حول طاولة حوار في برلين، والمزمع انعقاده بعد أيام تحت مسمى يُشبه عمليات مفاوضات الأمم المتحدة السابقة، إلا أن فرص نجاحها تبدو ضئيلةً.
إلا أن دخول تركيا على المشهد بشكل مباشر، أربك المشهد الأوروبي، وخاصةً عندما ظهر الأمر الذي يلوح في الأفق “مبادرة تركية – روسية لحل الأزمة الليبية“، بغرض التوصل إلى تسوية سياسية بين الأطراف المتناحرة على السلطة، الأمر الذي من شأنه أن يُجبر فرنسا و ألمانيا وإيطاليا على إعادة النظر في استراتيجية الهدف الأوروبي في ليبيا، ولا ننسى أن تركيا تعمل على ترسيخ مذكرتي التفاهم الأخيرتين بغرض المحافظة على مصالحها القومية والإقليمية وحتى الدولية كنافد في الشأن الدولي، وأيضاً ذات الأمر بالنسبة لروسيا، في حال ما تأتى لها الأمر لتعزيز وجودها في ليبيا لتجد بديلاً لها عن سوريا كبوابة أفريقيا، ولعل كلتا الدولتين أن يتفقان على مشاطرة المصالح الإقليمية لهما في الانفراد بهذا البلد الفتي؛ كاستكشاف وإنتاج مع تشغيل النفط والغاز، وإعادة إعمار البلد بعد الدمار الذي حل به.
هنا يأتي دور أبناء ليبيا الوطنيين، بأن يعملوا جاهدين في الاستفادة من هذا الانجذاب الإقليمي والدولي للإقليم الليبي، والذي لا يتحقق دائماً ليكون متاحاً، بل صنعته الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، حيث يجب عليهم وضع خلافاتهم جانباً؛ ليحققوا أكبر قدر ممكن لصالح وطنهم، من خلال هذه الإرهاصات الإقليمية الناشئة على مستوى البحر الأبيض المتوسط، الذي تُعد ليبيا اليوم نافدةً فيه، مع ما تمتلكه هذه البلد من عمق استراتيجي لعموم القارة الإفريقية، هذا فضلاً عن جيوسياسيتها الجغرافية في المنطقة.








