عشية 15 تموز 2016، راسلني متشفيًا ضابط يمني، قائلا “إلى أين ستهربون بعد الآن، سيتم سحق رؤوسكم”.! وتابع ساخرًا: “في كل بلد تحلّون فيه تأتي المصائب”!.
هذا الضابط كانت تربطني به معرفة حديثة، كان لا يخفي انتماءه لأنصار الرئيس السابق علي صالح، وكانت تدور بيننا نقاشات يؤكد حينها تأييده لمليشيا الحوثي، المدعومة من إيران والدفاع عنهم، بسبب كراهيته للثورة الشبابية السلمية في اليمن، التي أنهت 3 عقود من حكم صالح.
آلمني هذا التشفي، لقد جمعتنا على الأقل جلسات مقيل في بيتي، نقول عنها بالعامية “بيننا عيش وملح”، حديثه كان جارحا، لأنني لم أكن يومًا خصمًا لأشخاص بسبب خلاف سياسي، ولم أكن صاحب سلطة بحيث أتحمل تبعات أحداث الماضي.
نزل خبر الانقلاب عليّ كالصاعقة، استحضرت مشاهد القهر والحزن التي خيمت على اليمنيين، غداة اجتياح مليشيا الحوثي للمدن واقتحام مؤسسات الدولة والتنكيل بالشعب اليمني ونشر شعاراتها الطائفية المقيتة، وقمع كل مظاهر الحياة المدنية والسياسية، وصولا إلى حملات الاعتقال والسجون والتعذيب و و و ، كوارث ومآسٍ لا حصر لها عندما يدخل بلدٌ ما نفقًا مظلمًا تُغتصب فيه الإرادة الشعبية وتعلن حالة الحرب على الحقوق والحريات والديمقراطية.
كانت الأخبار التي تبثها القنوات ووسائل الإعلام العربية والدولية تعمل على توجيه الرأى العام باتجاه أن كل شيء انتهى، وأن الانقلابيين يبسطون سيطرتهم على مقاليد السلطة في تركيا، بل ذهبت بعض القنوات العربية للحديث عن لجوء رئيس الدولة إلى ألمانيا، في واحدة من أشهر الفضائح في تاريخ الإعلام العربي.
غصة كبيرة ومشاعر حزن تنتابني حينها على بلدي الذي غادرته مرغمًا قبل عدة أشهر، ولا أعرف متى تتسنى لي العودة، ومشاعر قلق على مستقبل بلد جميل وواعد مثل تركيا، مع بصيص أمل بالله أولاً، ثم بوعي الشعب التركي لإفشال مخطط إغراقه في الفوضى، بخاصة أنه عانى الويلات كثيرًا جراء الانقلابات.
كنت قد وصلت إلى إسطنبول مطلع 2016، قادما من أوروبا، وحينها قررت الإقامة في حي قديم وسط منطقة الفاتح، اسمه جراح باشا، مساجد الحي أثرية جميلة وأهاليه طيبون، وبينما كانت الأخبار تتحدث عن انقلاب في تركيا كأن الحياة أظلمت في وجهي، وبدت الشوارع مقفرة إلا من شباب يتدفقون إلى بعض الأماكن لمواجهة الانقلابيين بصدور عارية، تلقيت اتصالات عدة من أصدقاء يمنيين تقطعت بهم السبل في منطقة الفاتح، وعرضت عليهم المبيت في بيتي.
تجمع عندي عدد من الأصدقاء، قضينا ليلة عصيبة، كان الجميع في حالة ذهول وصدمة ومخاوف من المجهول.
قلت لهم إن الانقلاب سيفشل، كانت تلك محاولة مني للتخفيف من وطأة الخوف والقلق، لكن ما إن ظهر الرئيس رجب طيب أردوغان مخاطبا الشعب التركي، ومطالبا بالخروج للدفاع عن الديمقراطية، حتى تبدد القلق، ووجدتُ نفسي من اليوم التالي أشارك الشعب التركي تجمعاته ابتهاجا بفشل الانقلاب.
إن التبعات التي كانت ستلحق بتركيا في حال نجح الانقلاب، لا سمح الله، كانت ستعيد البلد عشرين سنة للوراء على الأقل، ولو لم يكن المقصود من المحاولة الانقلابية إجهاض قيامة تركيا كدولة لما شنوا على الاقتصاد التركي هجمات قاسية بعد فشل مشروع الانقلاب.
كم نحن مدينون للشعب التركي بكل فئاته وتوجهاته، لقد أظهر قدرًا استثنائيًا من الوعي والشجاعة والبطولة، ونجح في الحفاظ على مكتسباته الوطنية واستقلاله.
كل شعوب المنطقة مدينة للشعب التركي لأنه نجح في إحباط مخطط تطويق شعوب المنطقة كلها بالاستبداد والديكتاتوريات القادمة من غرف الثورات المضادة، وإغراق المنطقة برمتها في أتون الفوضى والقمع والتبعية المطلقة.
نجح الشعب التركي في حماية المسار الديمقراطي لبلده، بينما لم يكن بمقدورنا نحن اليمنيين أن نفعل ذلك، ومضى الانقلاب في يمننا الحبيب قدمًا للأسف، فكانت النتيجة أسوأ كارثة يشهدها العالم في العصر الحديث.
الرحمة والمغفرة لشهداء الحرية والاستقلال والعدالة والديمقراطية في اليمن وتركيا وكل بلاد العالم.








