
الوساطة القطرية في شرق أوسط مضطرب.. كيف أصبحت الدوحة لاعبا رئيسيا في صناعة التسويات؟ (تقرير)
في منطقة تتزايد فيها بؤر الصراع وتتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية، برزت دولة قطر خلال العقدين الأخيرين باعتبارها أحد أبرز الوسطاء القادرين على فتح قنوات الحوار بين الخصوم، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتوازنة، ومن سياسة خارجية جعلت من الوساطة وحل النزاعات جزءاً ثابتاً من نهجها الدبلوماسي.
ومع اتساع رقعة الأزمات في الشرق الأوسط، بدءاً من الحرب في غزة، مروراً بالتصعيد بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، وصولاً إلى الملفات اللبنانية والسودانية، تتعاظم التساؤلات حول الدور الذي تؤديه الدوحة في منطقة توصف بأنها من أكثر مناطق العالم اضطراباً وتعقيداً.
الوساطة خيار دستوري في السياسة الخارجية
لا تنظر قطر إلى الوساطة باعتبارها أداة ظرفية، بل بوصفها أحد المبادئ المؤسسة لسياستها الخارجية. فقد نصت المادة السابعة من الدستور الدائم الصادر عام 2003 على أن تقوم السياسة الخارجية للدولة على تعزيز الأمن والسلم الدوليين وتشجيع تسوية النزاعات بالطرق السلمية.
ومن هذا المنطلق، تبنت الدوحة نهجاً قائماً على الحوار والدبلوماسية الوقائية والمساعي الحميدة، لتتحول خلال السنوات الماضية إلى وسيط يحظى بثقة أطراف متناقضة، الأمر الذي أكسبها سمعة دولية كطرف محايد يمكن اللجوء إليه في الأزمات المعقدة.
وشهدت جهود الوساطة القطرية منذ عام 2004 تصاعداً ملحوظاً، حيث شاركت الدوحة في ملفات متعددة شملت التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار، والإفراج عن الرهائن وتبادل الأسرى، واستعادة العلاقات الدبلوماسية، ودعم الحوارات الوطنية، وإنهاء النزاعات الحدودية، فضلاً عن تعزيز الجهود الإنسانية والتوصل إلى اتفاقات سلام في عدد من النزاعات الإقليمية والدولية.
بناء مؤسسات متخصصة لصناعة السلام
وفي إطار تطوير أدواتها الدبلوماسية، عززت قطر بنيتها المؤسسية الخاصة بالوساطة.
ففي عام 2023 استحدثت مهام وزارية جديدة داخل وزارة الخارجية، في خطوة هدفت إلى إبراز أهمية ملفات السلام والمصالحة، إلى جانب دعم فرق العمل المتخصصة على مستوى كبار المسؤولين والدبلوماسيين والخبراء الفنيين.
كما وسعت الدوحة دائرة شراكاتها الدولية عبر توقيع مذكرات تفاهم مع عدد من الدول الرائدة في مجال الوساطة وتسوية النزاعات، من بينها السويد والنرويج وفنلندا، بما يتيح تبادل الخبرات وتطوير آليات العمل المشترك في مجالات صنع السلام.
وتتبنى قطر نهجاً شاملاً في إدارة النزاعات، لا يقتصر على المسارات الرسمية بين الحكومات، وإنما يمتد إلى دعم المسارات غير الرسمية، وإشراك الفئات المهمشة والنساء والنازحين، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة مختلف مكونات المجتمع.
منتدى أوسلو.. تحذير قطري من تراجع طموحات السلام
وخلال مشاركته في منتدى أوسلو الذي انعقد في العاصمة النرويجية تحت عنوان “الوساطة في شرق أوسط مضطرب”، شدد الدكتور ماجد بن محمد الأنصاري، مستشار رئيس مجلس الوزراء والمتحدث الرسمي لوزارة الخارجية، على أهمية بناء تحالفات وشراكات دولية من أجل السلام، مؤكداً أن تنسيق أدوات الدول وإمكاناتها المختلفة يعزز فعالية الوساطات ويمنع اقتصارها على المبادرات الفردية.
وأشار الأنصاري إلى أن الوساطة الدولية تمر بتحول مقلق، حيث انتقل الاهتمام من السعي لإنهاء الحروب وتحقيق السلام المستدام إلى الاكتفاء بإبرام اتفاقات لوقف إطلاق النار، معتبراً أن هذا التحول يعكس تراجعاً في الطموحات الدولية نتيجة تشعب الأزمات العالمية.
وأوضح أن تزايد عدد النزاعات يجعل من الصعب تركيز الجهود الدولية على صناعة السلام، ما يستدعي تطوير أدوات أكثر فاعلية وقدرة على التعامل مع التحديات المتصاعدة.
وأكد أن الأزمات لا تنشأ بمعزل عن محيطها، بل تتشكل في سياقات إقليمية ودولية متشابكة، الأمر الذي يفرض على دول المنطقة الاضطلاع بدور مسؤول في دعم جهود التسوية وتعزيز الاستقرار، مستشهداً بما تشهده غزة والتوترات المتزايدة في المنطقة.
شبكة علاقات واسعة تمنح الدوحة مساحة للتحرك
ويرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور عبد الباسط أبو نبوت، أن الدور القطري المتنامي يستند إلى رؤية استراتيجية تهدف إلى ترسيخ مكانة الدوحة كعاصمة للحوار والتفاوض والاستثمار السياسي والدبلوماسي.
وقال أبو نبوت في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، “تلعب قطر دوراً متنامياً في الوساطات الإقليمية والدولية انطلاقاً من رؤية استراتيجية تهدف إلى ترسيخ مكانة الدوحة كعاصمة للحوار والتفاوض والاستثمار السياسي والدبلوماسي. وعلى مدى السنوات الماضية، حرصت قطر على بناء شبكة واسعة من العلاقات مع أطراف متباينة، وهو ما منحها قدرة على التحرك في ملفات عربية وإقليمية ودولية معقدة، وجعلها منصة موثوقة لاستضافة المفاوضات والحوارات الحساسة”.
وأضاف “تنظر الدوحة إلى المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران باعتبارها فرصة للمساهمة في تقريب وجهات النظر، خصوصاً في المراحل النهائية التي غالباً ما تواجه عقبات تقنية ومالية معقدة”، مبينا أنها “تمتلك قطر خبرة سابقة في معالجة الملفات المتعلقة بالأموال المجمدة والتحويلات المالية والترتيبات الاقتصادية المصاحبة للتسويات السياسية، ما يمنحها مساحة للمساهمة في تقديم حلول عملية تساعد على تجاوز العقبات المتبقية”.
وتابع “إن انخراط قطر في هذه الجهود لا يرتبط فقط بتعزيز دورها الدبلوماسي، وإنما أيضاً بمصالح استراتيجية مباشرة تتعلق بأمن الخليج واستقرار المنطقة، فالدوحة تدرك أن أي تقدم في مسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية سينعكس إيجاباً على الأمن الإقليمي، ويخفض مستويات التوتر التي تؤثر على دول الخليج كافة، الأمر الذي يجعلها حريصة على الإسهام في صناعة الاستقرار الإقليمي”.
من غزة إلى لبنان والسودان.. حضور قطري واسع
بدوره، يرى الباحث في القضايا الاستراتيجية الدكتور ماجد عزام، أن قطر تحولت خلال العقود الأخيرة إلى أحد أهم الوسطاء الدوليين، مشيراً إلى أن نشاطها لم يقتصر على الشرق الأوسط، بل امتد إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وقال عزام في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، “في العقود الأخيرة أصبحت قطر لاعباً مركزياً في الوساطات والتوصل إلى التفاهمات وإطفاء الحرائق، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل حتى في مناطق بعيدة مثل إفريقيا وأمريكا اللاتينية. وكانت حاضرة في ملفات عديدة، من بينها الكونغو وفنزويلا والسودان”.
وأضاف “في الفترة الأخيرة، ومع تعدد الحرائق في المنطقة، لعبت قطر دوراً بارزاً منذ بداية الحرب في غزة، وشاركت مع مصر وتركيا في جهود الوساطة التي أفضت إلى اتفاقات وقف إطلاق النار، كما حضرت في الجهود الرامية إلى احتواء التصعيد في لبنان بالتنسيق مع السعودية وتركيا وباكستان ومصر”.
وتابع “اليوم يتزايد حضور قطر ضمن إطار إقليمي أوسع يضم دولاً عربية وإسلامية تسعى إلى احتواء تداعيات الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران، والعمل على صياغة ترتيبات اليوم التالي بما يضمن حماية مصالح المنطقة وأمنها. ويمكن القول إن قطر لم تعد تقتصر على إطفاء الحرائق، بل باتت تعمل أيضاً على منع اشتعالها مجدداً”.
القوى المتوسطة وصناعة الاستقرار
ومع تصاعد الاضطرابات الإقليمية، تتجه الأنظار نحو دور القوى المتوسطة في النظام الدولي، وهي الفكرة التي أكد عليها المسؤولون القطريون خلال منتدى أوسلو، باعتبار أن التعاون بين هذه الدول قادر على إحداث تأثير ملموس في ملفات الأمن والاستقرار.
وفي ظل عالم يشهد تراجعاً في قدرة القوى الكبرى على فرض حلول شاملة للنزاعات، تبدو الدوحة مصممة على مواصلة الاستثمار في أدوات الوساطة والدبلوماسية الوقائية، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتوازنة، ومن قدرتها على التواصل مع أطراف يصعب جمعها على طاولة واحدة.
وبينما تتزايد التحديات في منطقة الشرق الأوسط، تبدو الوساطة القطرية مرشحة للحفاظ على دورها المتصاعد، في ظل سعي الدوحة إلى تحويل الحوار والتفاهمات السياسية إلى بديل عن الصدامات العسكرية، وإلى ترسيخ موقعها كأحد أبرز صناع السلام في منطقة لا تزال تعيش على وقع الأزمات المتلاحقة.







