مدونات TR

 خيارات تركيا بين S-400 و F-35

تتجه العلاقات بين تركيا وروسيا نحو تأسيس علاقات استراتيجية تمكنهما من تحقيق توازن قوى متين ضد الغرب، ويواصل الطرفان تعاونهما المُشترك وصولًا لتحقيق أول تعاون إستراتيجي قام على إنشاء خط “السيل الأزرق” الذي تم توقيع اتفاقيته عام 1997، بهدف تزويد روسيا لتركيا بالغاز الطبيعي.

تقوم تركيا دوماً بإقامة معادلة توازن في علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة الاميركية وروسيا، بشكل يراعي الحفاظ على سيادتها ومصالحها وبنفس الوقت مواجهة التهديدات والمخاطر التي تتربص بها من عدة أطراف.

فقد اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة العشرين المنعقدة في كانون الأول 2018، أن تركيا شريك موثوق، في حين وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، علاقات بلاده بالولايات المتحدة الأميركية بالتحالف الاستراتيجي بعد لقائه الأخير مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفي نفس القمة، هذه الأوصاف والمقصود بها الشراكة الموثوقة والتحالف الاستراتيجي هل جاءت صدفةً ام هي إدراك جديد لحقيقة العلاقة؟

لا يخفى على المتابعين كل التأكيدات التي كررها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الدفاع خلوصي أكار ومسؤولون آخرون في الحكومة التركية من أن عملية استلام تركيا لمنظومة S-400 الدفاعية من روسيا مستمرة، ومع ذلك بقي هناك مشككون في أن الصفقة يمكن أن لا تتم بسبب العقوبات التي تلوح بها الإدارة الأميركية، وعلى رأسها حرمان تركيا من طائرات F-35 التي شاركت في تصنيعها والتزمت بدفع المستحقات المالية لها بشكل منتظم.

في هذا السياق قال أردوغان إن بلاده دفعت مليارًا و400 مليون دولار للولايات المتحدة في إطار مشروع طائرات F-35، وأوضح قائلاً “نحن لسنا سوقا، وإنما شركاء في الإنتاج، وعلى هذا الأساس جرى تسليمنا 4 مقاتلات، ولكن العدد الإجمالي الذي يجب أن نحصل عليه هو 116 مقاتلة”.

وقال أردوغان خلال لقائه مع بوتين، على هامش قمة العشرين في أوساكا اليابانية “نواصل مراقبتنا لعملية توريد منظومة S-400 فيما يتعلق باتفاقنا الذي تم التوصل إليه في دوشنبه”، وأضاف “وفقا لاعتقادي لا توجد أي معوقات بخصوص صفقة منظومة الدفاع الصاروخي الروسية S-400”.

وأشار أيضا إلى أن الاتفاق الروسي التركي حول “إنتاج الصواريخ المشترك، بما في ذلك نقل التقنيات، يمثل أولوية لتعاوننا”.

وتتزايد المخاوف لدى حلف الناتو على خلفية اقتراب موعد تسليم منظومة دفاع صاروخي روسية الصنع لتركيا، وتلويح واشنطن بفرض حزمة عقوبات على أنقرة. لعل أشد ما يقلق مركز حلف الناتو، في الولايات المتحدة، هو التحدي الماثل أمام ديمومة هيمنتها على قرار دول الحلف، وما سيترتب على امتلاك تركيا لسلاح روسي من انعكاسات استراتيجية تقوّض أحادية القطبية لواشنطن في الشأن العالمي.

الضغوطات الأميركية على تركيا تتخذ أوجهاً متعددة: اقتصادياً، في الحرب على قيمة عملتها وإلغاء نظام التعامل التجاري التفضيلي معها. وعسكرياً، التهديد بتقليص وتعليق التعاون المتبادل وفك ارتباط مصانع انتاج قطع غيار للمقاتلات الأميركية F-35، وتجميد تدريب فرق الطيارين الأتراك في القواعد الأميركية على المقاتلة الأحدث لديها.

بدوره، أشار المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن إلى أن “منظومة S-400 لا تشكل أي خطر أو تهديد على النظام الأمني للناتو، أو على طائرات F-35 بعد مجيئها، أو نظام الدفاع الجوي التركي الحالي. وأوضح أنها منظومة صواريخ دفاعية وليست هجومية”.

وقال قالن إن “تركيا دولة ذات سيادة وهذا القرار يأتي في إطار تلبية احتياج تركيا لمنظومة دفاع جوي”.

الجديد في الأمر هو تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في اللقاء الذي جمعه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان على هامش اجتماعات قمة العشرين في أوساكا، فترامب بقي حتى هذا الاجتماع لا يستبعد تطبيق عقوبات على أنقرة بسبب توريدها للمنظومة الروسية.

لكن ترامب في لقائه بأردوغان خلال الاجتماع  وضع اللوم على ما “اسماه تصرف الولايات المتحدة غير العادل مع تركيا في عهد إدارة الرئيس الاميركي السابق باراك أوباما، وقال ترامب: “الرئيس أردوغان أراد شراء منظومات باتريوت من إدارة أوباما، ولم يُسمح له بذلك، والتعامل مع تركيا لم يكن عادلاً في عهد أوباما، إنها (إدارة أوباما) لم تبع له (الرئيس التركي) ولم تسمح له بشراء ما أراد شراءه وهي (منظومة) باتريوت، وعندما اشترى شيئًا آخر، يقولون الآن إنهم سيبيعون له باتريوت، لذلك أقول لكم إنه (الرئيس التركي) عضو في الناتو، وهو شخص جمعتني به صداقة، وعليكم التعامل بعدل مع تركيا”.

وكان أردوغان قد قال بعد لقائه مع ترامب “إن بلاده لن تتعرض لعقوبات أميركية عند بدء تسلمها نظام الدفاع الجوي الروسي S-400 خلال الأيام المقبلة”.

في المفهوم السياسي الروسي الراهن تشكل تركيا حلقة في سياق الصراع الاستراتيجي على النفوذ مع الولايات المتحدة، ينبغي استخدامها لدق إسفين إضافي في نزعة الهيمنة والسيطرة الأميركية، وتعزيز بروز تعدد القطبية العالمية،علاوة على ما تقدمه الخلافات التركية مع حلف الناتو من خدمات مميزة لتقويض نفوذ الحلف الذي نشر قواته بالتماس على الحدود الروسية عبر دول أوروبا الشرقية سابقاً.

هناك نظرة متبادلة معلنة بين تركيا وروسيا حول فكرة الشريك الموثوق عند الحديث عن بعضهما البعض، ولكن هذه الفكرة أكثر حضورًا عندما يكون الحديث عن مجال الطاقة أو التجارة أكثر منها في السياسة، وقد عبر عنها الرئيس أردوغان خلال اتفاق مشروع خط الغاز الطبيعي “السيل التركي” لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا، أن “تركيا تعتبر روسيا شريكًا موثوقًا”.

 

فؤاد خشيش

باحث في العلاقات الدولية والروسية
زر الذهاب إلى الأعلى