
في مشهد يحمل دلالات عميقة، شاركت، السبت، الطائرات المروحية التابعة للجيش العربي السوري في احتفالات الذكرى الرابعة عشرة للثورة السورية التي انطلقت في 15 آذار/مارس 2011، لكن هذه المرة لم تكن الطائرات تحمل القنابل أو البراميل المتفجرة، بل ألقت الورود والمناشير التي تحمل رسائل أمل وسلام على الحشود المتجمعة في ساحة الأمويين وسط العاصمة دمشق.
هذا الحدث، الذي وثقته عدسات المصورين وانتشرت صوره عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حمل دلالات رمزية عميقة، خاصة عند مقارنته بالدور الذي لعبته هذه الطائرات ذاتها في عهد النظام السابق برئاسة بشار الأسد.
لعقود، وخاصة خلال سنوات الثورة السورية، ارتبطت الطائرات العسكرية السورية، وبالأخص المروحيات، بصورة الدمار والخوف، وتحت حكم نظام الأسد المخلوع، كانت هذه الطائرات أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت سوريا، حيث استخدمت المروحيات لإلقاء “براميل الموت” – وهي براميل متفجرة بدائية الصنع مليئة بالمتفجرات والمعادن الحادة – على الأحياء السكنية في المناطق التي شهدت معارضة للنظام، مثل حلب وحمص ودرعا وإدلب.
هذه الأسلحة، التي وصفتها المنظمات الحقوقية الدولية بـ”العشوائية والوحشية”، تسببت بقتل آلاف من المدنيين وتدمير مدن بأكملها، ما جعلها رمزاً للقمع الدموي في ذاكرة السوريين.
ولم تكن هذه العمليات مجرد هجمات عسكرية، بل حملت رسالة واضحة من النظام المخلوع: إخماد أي صوت يطالب بالحرية أو التغيير بأقسى الطرق.
وفي تلك الفترة، كان صوت دوي المروحيات في السماء يثير الرعب في قلوب السكان، إذ كان ينذر بقصف وشيك قد يمحو أحياء بأكملها عن الخارطة.
في المقابل، يبدو أن الحكومة السورية الحالية تسعى لتقديم صورة مغايرة تماماً، ففي الذكرى الرابعة عشرة للثورة، تحولت هذه الطائرات من أدوات للموت إلى رموز للاحتفال والوحدة.
وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” وصفت المشهد أنه “إلقاء الورود فرحاً بالنصر على حشود المتظاهرين”، مشيرة إلى أن “سلاح الجو يشارك في احتفالات الثورة المباركة”.
ولم يكن هذا التحول لم يكن مجرد حدث عابر، بل جزء من سردية جديدة تحاول الحكومة الحالية ترسيخها، تعكس رؤيتها لمستقبل سوريا بعد سنوات من الحرب والانقسام.
وزير الدفاع السوري اللواء مرهف أبو قصرة، أكد هذا التوجه في تصريحات رسمية قائلاً، إن “المشهد في سوريا تغير بعد انتصار الثورة. أصبحت المروحيات التي كانت تلقي حمم الموت على الشعب السوري مصدر أمان واطمئنان”.
وقال الباحث رشيد حوراني لـ “وكالة أنباء تركيا”، “لجأ النظام السوري الجديد إلى تغيير الصورة النمطية التي ارتبطت بالطيران العسكري السابق، والذي كان يستهدف المدنيين العزل والمنازل والمناطق السكنية في سوريا، وجاء هذا التغيير من خلال تنظيم طلعات جوية في مناطق الاحتفالات، تزامناً مع ذكرى الثورة السورية”.
وأضاف أنه “بدلاً من القنابل والبراميل المتفجرة، قامت الطائرات بإلقاء الورود والمناشير التي تحمل رسائل تشجع على بناء الدولة والحياة الوطنية، بالإضافة إلى تعزيز السلم الأهلي، ومن جهة أخرى، لفتت هذه الطلعات الأنظار إلى دور الضباط المنشقين، خاصة أن الطيارين الذين قادوا هذه الطائرات كانوا من بين الضباط الذين انشقوا عن النظام”.
وتابع “وأبرزت هذه الطلعات الجانب الإنساني لهؤلاء الضباط، حيث أظهرت موقفهم الأخلاقي والإنساني الذي يتجاوز السياسة، كما أكدت على رفضهم المشاركة في الطلعات الجوية التي كانت تستهدف المدنيين في سوريا، سواء بإلقاء البراميل المتفجرة أو غيرها من أدوات القتل والتدمير”.
التباين بين النهجين يكشف عن اختلاف جوهري في الرؤية السياسية والعسكرية، فالنظام السابق اعتمد على سياسة الأرض المحروقة، حيث كان الهدف هو البقاء في السلطة بأي ثمن، حتى لو تطلب ذلك تدمير البلاد وتهجير الملايين، والطائرات العسكرية، في تلك الحقبة، كانت تعكس هذا النهج: أداة للعنف الشامل دون تمييز بين مقاتل ومدني.
أما الحكومة الحالية، التي جاءت على إثر انتصار الثورة، فتبدو حريصة على بناء صورة مغايرة، تركز على الوحدة الوطنية وإعادة الإعمار، وبالتالي فإن استخدام الطائرات لإلقاء الورود ليس مجرد فعل رمزي، بل رسالة موجهة إلى الشعب السوري والعالم، مفادها أن الجيش السوري لم يعد أداة للقمع، بل جزء من عملية الشفاء الوطني.
وقال الكاتب والمحلل السياسي مأمون سيد عيسى لـ “وكالة أنباء تركيا”، “كانت البراميل اختراعاً أسدياً افتخر به ثلة من رجالات الأسد بأنه وفر على الدولة مبالغ كبيرة، فهذه البراميل مليئة بالمتفجرات جنبًا إلى جنب مع الشظايا كي تزيد قوتها التدميرية حيث اسقطها جيش النظام على المدنيين منذ كانون الأول/ديسمبر 2017؛ أسقطت القوات السورية 68,334 برميلا متفجرًا على الأقل على مناطق المعارضة، بينما السلطة الجديدة تعامل معارضيها بكل احترام وقد تم وضع ضوابط في عدة مواد من الإعلان الدستوري بمنع تجاوز حقوق الإنسان، وكان منظرا جميلا رمي الورود من الطائرة المروحية على المحتفلين في ساحة الأمويين بدمشق”.
الطائرات التي كانت ذات يوم رمزاً للدمار، أصبحت اليوم رمزاً للأمل والحياة. المشهد الذي شهدته ساحة الأمويين، حيث تساقطت الورود بدلاً من البراميل المتفجرة، يمثل نقطة تحول مهمة في تاريخ سوريا الحديث، فهو ليس مجرد مشهد احتفالي، بل رسالة واضحة بأن سوريا تسعى جاهدة لطي صفحة الماضي المظلم وبناء مستقبل يعتمد على الحرية والكرامة الإنسانية.
وفي هذا الصدد، قال الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم قيسون لـ “وكالة أنباء تركيا”، “ليس هناك مجال للمقارنة بين نظام يصدر الموت ويحرم الحياة وحكومة تقدس الكرامة والحرية. أجل، نحن في مرحلة فتية نؤسس لنظام جديد، ومن الطبيعي أن تحمل الكثير من الأخطاء والتجاوزات، لكن الهدف المرصود واضح وسوف نصل إليه”.
ما حدث في ساحة الأمويين يعكس محاولة واضحة لإعادة صياغة السردية السورية. من براميل الموت إلى زهور الحياة، يبدو أن الطائرات العسكرية السورية تسعى لكتابة فصل جديد في تاريخها.